بدت
الغالبية العظمى سعيدة في البداية؛ بدءا من حركة "حماس"، إلى الأتراك
فالإسرائيليين، فالأمريكان. حتى خصوم "حماس" وخصوم الإسلاميين الأتراك
لديهم ما يفرحون به. ولكن الأمور في اليوم التالي بدت غير مؤكدة.
فرح
الأتراك، ولا زالوا فرحين، بالاعتذار الذي قدّمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو، عن الهجوم الإسرائيلي على سفن التضامن مع قطاع غزة، عام 2010 وأدت لمقتل
تسعة من الأتراك. وكمثال نصبت بلدية أنقرة لوحات طرق ضخمة تشكر رئيس الوزراء
التركي، رجب طيب أردوغان، جاء فيها "إسرائيل اعتذرت لتركيا. عزيزنا رئيس
الوزراء نحن شاكرون لك لما جلبته لبلادنا من فخر". ولم تكن لهجة
"نيويورك تايمز" بعيدة وهي تتحدث عن الرئيس الأميركي، ودوره في تقارب
البلدين قائلة: "أظهر (باراك) أوباما موهبة في ليّ الذراع". وكانت حركة
"حماس" أحد الفرحين، ووصف بيان رسمي للحركة الاعتذار بأنه "يمثل
انتصارًا وإنجازًا كبيرًا لتركيا، حيث نجحت بفرض شروطها على الكيان الصهيوني
وأرغمته على الرضوخ والإذعان". هذا الموقف الحمساوي
من أسبابه تأكيدات أردوغان أنّ رفع الحصار عن القطاع جزء من التفاهمات، وكذلك
مسارعته للاتصال بخالد مشعل، رئيس "حماس"، ليبلغه بالاعتذار مما ينم عن
احترام كبير لحماس، ووضعها في موقع الشريك الدولي. وحتى خصوم الإسلاميين لديهم ما يفرحون
لأجله، وليزعموا أنّهم قالوا سابقا أنّ الخلاف بين أنقرة والإسرائيليين ليس
استراتيجيا ويمكن إصلاحه. وفي سياق الترحيب الحمساوي، لم يبدُ أنّ هناك توقفا عند
حقيقة أنّ ثمن الاعتذار قد يكون العودة لتطبيع العلاقات بين الإسرائيليين ودولة
إقليمية رئيسية، وأنّ ذلك ربما جزءٌ من ترتيبات تتعلق بإيران وسوريا ودفع العملية
التفاوضية قدماً.
من
جهة أخرى، فإن الغاضبين موجودون؛ فمن الطبيعي أن يقلق كل من النظامين السوري
والإيراني من هذا التقارب. لأنّه قد يأتي في سياق ترتيبات إقليمية ليست في صالحها.
وكانت حركة الجهاد الإسلامي، الفلسطينية، ضمن غير المرحبين، وعلى خلاف
"حماس" قال القيادي في حركة الجهاد، خالد البطش إن الاعتذار
"وهمي ولفظي" بهدف فك العزلة عن إسرائيل.
تآزرت ردود الفعل
المبتهجة بانتصار تركي على إسرائيل، مع مخاوف يونانية من تبعات الاعتذار، وانتقادات
من قبل سياسيين إسرائيليين، منهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، إلى محاولة دوائر
رئيس الوزراء الإسرائيلي التقليل من مغزى الحدث. بادعاء أنّ إسرائيل عرضت مثل هذه
التسوية التي قبلها أردوغان سابقا، وأنّ الترتيبات الجديدة لا تتضمن فك الحصار عن
غزة، وأنّ الذي تنازل هم الأتراك، واتصل نتنياهو مع نظيره اليوناني، أنطونيوس
سامراس، ليطمئنه ويرتب لقاءً قريبا، إذ أنّ أثينا الخصم التاريخي لأنقرة تتساءل عن
مغزى "المصالحة" على الاستثمارات الإسرائيلية مع قبرص اليونانية، في
حقول الغاز البحرية، التي تتعارض مع الأتراك.
في
الواقع أنّ تقييم ما حصل بين تركيا والإسرائيليين، وهل يعد انتصارا ولمن؟ يعتمد
على تعريف العلاقة والصراع. فإذا اعتبرنا الصراع "صفريّا" أي أنّ هناك
رفض لأي مكسب إسرائيلي، أو أي تطبيع لوجودها مقابل أي ثمن، سيبدو الاعتذار مزعجا
لأنّه قد يؤدي إلى ذلك.
أمّا
إذا تغير تعريف الصراع، ليصبح صراعا فيه إمكانيات للتسوية، وللمد والجزر، والتفاوض،
وتسجيل النقاط، فالاعتذار انتصار، لأنه يعني ببساطة أنّ بإمكان أردوغان أن
يتهم الصهيونية بما شاء، كأن يصفها بأنها جريمة ضد الإنسانية كما فعل مؤخرا، أو أن
يصفها أنها دولة إرهاب كما فعل عام 2004، ورغم هذا يبقى رئيس الوزراء الإسرائيلي
مضطرا للاعتذار!. ونتنياهو يعرف أنّ تركيا تدعم "حماس"، وقد يفتح باب
الاعتذار الباب للمزيد من الدعم ولمطالب برفع الحصار. هذا فضلا عن أن قيام نتنياهو
بإعادة دفع أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية، يعني انّ تحرك الفلسطينيين على
الساحة الدولية أيضا لا يمكن ردعه كثيرا.
إذا
لم يكن تعريف الصراع صفريّا، أي لم تعد المعركة معركة وجود، أو إذا تم التخلي عن
التعريف الصفري مؤقتا، لصالح البحث عن تسوية ما، فإنّ إسرائيل خسرت نقاطا مهمة،
ويمكن مواصلة الهجوم لتخسر أكثر، مع أنّها قد تحاول شن هجوم معاكس وتحقيق مكاسب
سياسية دون تقديم شيء.
http://www.alghad.com/index.php/afkar_wamawaqef2/article/32402/%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B0%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق