الجمعة، 29 مارس 2013

سجّادات الذاكرة


بعض الناس كالجبال، لا تهَزُهُم ريح، ولكنهم يصدعون لأمر ياسمينة..        
ما أن أرسلتُ مقالي، للجمعة الفائتة، عن حي "أحفاد يونس" وقرية "باب الشمس"، حتى فطنتُ أني ربما غفلت؛ فالمقال يذكر السيرة النضالية والشجاعة لكثير من الحاضرين هناك، إلا أنّ المقال في مجمله عن لحظات الحي الحميمة؛ معصرة عنب كنعانية، وأغنيات، ودبكة، وابتسامات. هل بدا الأمر نزهة؟. لم أتحدث عن وعورة وصعوبة الدرب، أو ممارسات الجنود. عن برد أرض يفترشها الشباب، ويلتحفون السماء، بعد أن ضاقت الخيام. أو يستدفؤون بنار واهنة في ليل بلا نوم. لم أذكر حيرة سُكّان الحي الخجولة بين التوجه لأعمالهم وموارد رزق عائلاتهم وجامعاتهم، والبقاء انتظاراً لساعة المواجهة.
وجدتُ ما يُعزّيني.
هذا ما فعلته عائشة عودة، وأبو علاء منصور، وغيرهم، من الذين صنعوا الأحداث.
قاتَلَ أبو علاء في فلسطين وتحرك يُناضل ويرسل المجموعات والأسلحة من الأردن ولبنان وسوريا، منذ السبعينيات وحتى التسعينيات. دخل المعتقلات. عَبَرَ النهر وُقوفاً. أورثَته أمّه "قصة الماء". طلبت منه يوم كان يعتقد أّنّ الفقراء لا يدخلون الجامعات، وهي تعتقد أنّ غِنى الروح يهدي إلى المال اللازم، أن يكون كالماء الجاري، إذا واجهه حجر أو عائق التف عليه، وربما غمره، ومضى في طريقه غير آبه. مثل هذه الروح تجعله يكتب تجربته مستذكراً المضيء أكثر من غيره، دون تلاشي الألم والمذاق المرّ.
عندما خرجت عائشة عودة عام 1979 من اعتقال عشر سنوات، طَلَبت من الصحافيين المحتشدين في المنفى، ألا يسألوها عن التعذيب، بل عن الصمود والحرية. ولكنهم أبوا وأضافوا فيما كتبوا تفاصيل لم تَقُلها. وبعد سنوات، عندما التقتها فضائية عربية طلبت ألا يسألوها عن العذاب، وأن تكون الحرية والتحرر موضوعهم. فأبَوا وحوّلوا الكاميرا زنزانة.
عندما كَتَبَت، كتابها "أحلام الحرية" نهاية التسعينيات، لم يكن الأمر ممكنا. فعندما تُصبح الكتابة سجّادية، أي تدخل كل قُطب الحكاية لتَبسُط الذاكرة حصيلتها، يحضر كل الألم. ألم الانكسار وهي تواجه في المعتقل رفيقاً قابَلَته شرق النّهر وغربه، كان ودودا، وسيما، ومناضلا. جاء بها السجّانون الجلادون، تواجهه مكبلاً، كَبُر في أيام التعذيب أعواماً كثيرة. عاشت الانكسار وهو يُطأطئ، و"يعترف عليها". حضر التعذيب والجلد، والبصق، والشتائم البذيئة، والغمر بالماء البارد، فأصبحت تُسرع في إنهاء كتابها عسى أن يزيح دفعه للمطبعة العبء عن كاهلها. هذا رغم أنّها سجلت في الكتاب نفسه روايات الانطلاق والتحليق سريعا بعد التحقيق. وهي تَسمَع وحيدة في زنزانتها، عن عملية نفذتها شابة في السابعة عشرة، اسمها عائدة سعد، فتخاطب نفسها "يا سلام! فتاة وقنبلتان ودبابة إسرائيلية؟ أردت أن أدبك: "هبت النار عَ روس الجبال.. يا عائدة سعد يا فادية البلاد". وتخيّلَت فتاةً على صهوة جواد "تطير مثل سيدنا الخضر". شَعرُها طويل، يرفرف خلفها راية خفّاقة، وعلم فلسطين رايةً أعلى. يومّها لوحت عائشة لعائدة عبر أفق الزنزانة، وناجت غسان كنفاني، وقامت تخطب في الناس.
لم يُنه إرسال الكتاب للمطبعة، واستقبال الناس له بحفاوة، الكابوس.  
أمضت سنوات تكتب مقالات، ومجموعة قصصية عنوانها "يوم مختلف"، عاجزة عن إنهاء الجزء الثاني من مذكراتها. تخطت ذلك  بعد المواجهة الذاتية والجماعية، فالتحقت بـ "رابطة نساء أُسرن من أجل الحريّة"، ما أطلقها ثانية تُسجّل التجربة تحت عنوان "ثمنا للشمس".
استمعتُ لعائشة في أكثر من مناسبة تستذكر في حديثها للجمهور والناس لحظات الفرح. تتحدث عن ياسمينة نبتت في المعتقل. وتخبرنا عن نسمة حرية لا عن كرباج الجلاد وشاربيه. إحدى ذرى حياتها، يوم عادت للوطن من المنفى منتصف التسعينيات، في يوم بارد؛ ضباب ومطر، فتلمح من بعيد على مرتفع ما، أهل بلدتها "دير جرير"، وآخرين، ينتظرونها يلوحون بالأعلام، دون اكتراث بجو لا يغري بالاحتفال، ولكنهم يحتفلون بابنتهم وبطلتهم.
الذاكرة سجادة فارسية، فيها ملايين القُطَب، وطبقات لونيَة متداخلة يعلو بعضها بعضا. منظومات فرح وألم وسعادة.
في لحظات اللقاء مع الناس، مع تجدد الإيمان بالمبدأ والقضية، تبدو الآلام موجودة، ولكن ما يطفو على السطح ويخطف الروح واللحظة هو فرح الوقفة.  
 http://www.alghad.com/index.php/afkar_wamawaqef2/article/32418/%D8%B3%D8%AC%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%87.html

الأربعاء، 27 مارس 2013

الفلسطينيون في عام القيادة القطرية


قد يبدو الشيء الجديد حقا في القمة العربية الجديدة، بالنسبة للقضية الفلسطينية، ليس وجود كوكبة من الأنظمة والرؤساء والأشخاص الجدد، بدءا من تونس، فمصر، فاليمن، فلييبيا، فسوريا، فهؤلاء مشغولون بأولويات وأجندات ذاتية ضاغطة. بل إنّ الجديد هو مكان انعقاد القمة، أي الدوحة، وبالتالي قيادة قطر رسميّا للعمل السياسي والدبلوماسي العربي في العام المقبل، حتى القمة التالية. وكانت النتيجة الأولى صدور قرارات غير تقليدية، بدءا من الدعوة لقمة عربية للمصالحة الفلسطينية، تسبق ما قد يكون مؤتمر دولي للسلام، ثم صندوق بمليار دولار للقدس. مع ملاحظة غياب ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في وثيقة القمة الختامية.
السياسة القطرية الخارجية خلافية بامتياز، ولكن يصعب الخلاف كثيرا أنّها فاعلة وقادرة على تحقيق نتائج، وأنّها ضمن شبكة معقدة من الارتباطات والتفاهمات مع القوى الدولية، بدءا من العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية، وحلف شمال الأطلسي، (الناتو) التي كان من ثمارها المساعدة في تغيير النظام الليبي، وتتضمن علاقات قطر الوثيقة الإخوان المسلمين في دول وبلدان مختلفة. وتستطيع قطر حتى أنّ تضع ضمن شبكات علاقاتها إيران والحفاظ على علاقات تترواح بين الفتور وما هو أكثر حرارة قليلا من ذلك، ولكن ليست علاقات باردة.
يبرز سؤال الآن هو هل كون قطر من تتبنى القرارات الجديدة في القمة العربية بشأن فلسطين، فإنّه سيكون هناك فرصة هذه المرة لتتحقق نتائج عملية؟ فالفلسطينيون اعتادوا دائما انّ اي خطط وقرارات يمكن أن تسير وتكون فاعلة إلا عندما تصلهم. لذلك هذه القرارات هذه المرة اختبار للفعالية القطرية أكثر منها للفعالية العربية التي يسلم الجميع بانعدامها.
القرارات غير العادية بالنسبة لفلسطين لا تقتصر على قمة المصالحة، والصندوق الملياري للقدس، الذي ستسهم فيه الدوحة منفردة بربع ما يجدر أن يقدمه العرب مجتمعين. بل وتتضمن أيضا صيغة جديدة للحديث عن القضية الفلسطينية، فالحديث هذه المرة كليّا عن الدولة الفلسطينية ودورها، ولم تذكر منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا تغير ربما يحتاج لوقفة وتمحيص في معانيه.
في الواقع أنّ "قطر" بشبكة علاقاتها لديها مؤهلات أكثر من غيرها لتنجح في مهمات: المصالحة والقدس. ففي موضوع المصالحة هي من لديه القدرة على الضغط على "حماس"، التي تعتمد على الدوحة كثيرا ماليا وسياسيا ولوجستيا، وهي من لديها قدرة على استمالة قيادة "فتح". وهي التي تستطيع أن تتصل مع واشنطن وتذلل الاعتراضات وتمنع الإعاقات. ولكن إذا ما ربطنا فكرة قمة المصالحة، مع حقيقة انّ من سيرعون المصالحة سيواصلون العمل على استئناف المفاوضات العربية – الاسرائيلية ضمن أطر منها مؤتمر دولي كما جاء في بيان القمة، فإنّه يمكن افتراض أنّ هناك سيناريو ستقوم الدوحة بدور فاعل فيه يتضمن إطلاق عملية سلام جديدة على نطاق إقليمي، وهو ما يتفق مع طروحات الرئيس الأميركي باراك أوباما في زيارته الاخيرة للمنطقة. وبحيث يصبح من نتائج المصالحة ذهاب الفلسطينيين بفصائلهم المختلفة لعملية سياسية. أو على الأقل ضمان صمت الفصائل التي تعلن عادة معارضة المفاوضات.    
في موضوع القدس، الأمر أعقد من مجرد جمع مليار دولار، توضع تحت تصرف منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة. فرغم أنّه من المشكوك فيه جدا تأمين المبلغ، ولكن الأهم من جمع مبالغ للقدس، أن يكون هناك منفذ لاستثمارها حقا. وهو ما يتطلب عمليا الضغط على إسرائيل عالميا والدخول في مواجهة معها حتى تتوقف عن سياسات التطهير العرقي البطيئة والدؤوبة في آن في القدس. فهل يمكن مثلا للعرب بقيادة قطر، فرض بناء 40 ألف وحدة سكنية يحتاجها الفلسطينيون في المدينة بشكل عاجل وملح؟
مشكلة الفلسطينيين لم تكن يوما في صدور القرارات بل في تنفيذها، وهناك قرارات مهمة في القمة العربية الأخيرة، والجديد أن قطر الصغير الفاعلة هي من يقودها، ولكن السؤال هل ستطبق؟ ثم ما هو التصور الأوسع للتسوية السياسية التي يمكن قراءة مؤشرات عنها في ثنايا القمة، والتي أشير لمعالم واضحة بشأن آلياتها؟.   
 http://www.alghad.com/index.php/afkar_wamawaqef2/article/32409/%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%87.html 

الثلاثاء، 26 مارس 2013

معيار الحُكم على الاعتذار الإسرائيلي لتركيا


بدت الغالبية العظمى سعيدة في البداية؛ بدءا من حركة "حماس"، إلى الأتراك فالإسرائيليين، فالأمريكان. حتى خصوم "حماس" وخصوم الإسلاميين الأتراك لديهم ما يفرحون به. ولكن الأمور في اليوم التالي بدت غير مؤكدة.
فرح الأتراك، ولا زالوا فرحين، بالاعتذار الذي قدّمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن الهجوم الإسرائيلي على سفن التضامن مع قطاع غزة، عام 2010 وأدت لمقتل تسعة من الأتراك. وكمثال نصبت بلدية أنقرة لوحات طرق ضخمة تشكر رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، جاء فيها "إسرائيل اعتذرت لتركيا. عزيزنا رئيس الوزراء نحن شاكرون لك لما جلبته لبلادنا من فخر". ولم تكن لهجة "نيويورك تايمز" بعيدة وهي تتحدث عن الرئيس الأميركي، ودوره في تقارب البلدين قائلة: "أظهر (باراك) أوباما موهبة في ليّ الذراع". وكانت حركة "حماس" أحد الفرحين، ووصف بيان رسمي للحركة الاعتذار بأنه "يمثل انتصارًا وإنجازًا كبيرًا لتركيا، حيث نجحت بفرض شروطها على الكيان الصهيوني وأرغمته على الرضوخ والإذعان". هذا الموقف الحمساوي من أسبابه تأكيدات أردوغان أنّ رفع الحصار عن القطاع جزء من التفاهمات، وكذلك مسارعته للاتصال بخالد مشعل، رئيس "حماس"، ليبلغه بالاعتذار مما ينم عن احترام كبير لحماس، ووضعها في موقع الشريك الدولي. وحتى خصوم الإسلاميين لديهم ما يفرحون لأجله، وليزعموا أنّهم قالوا سابقا أنّ الخلاف بين أنقرة والإسرائيليين ليس استراتيجيا ويمكن إصلاحه. وفي سياق الترحيب الحمساوي، لم يبدُ أنّ هناك توقفا عند حقيقة أنّ ثمن الاعتذار قد يكون العودة لتطبيع العلاقات بين الإسرائيليين ودولة إقليمية رئيسية، وأنّ ذلك ربما جزءٌ من ترتيبات تتعلق بإيران وسوريا ودفع العملية التفاوضية قدماً.
من جهة أخرى، فإن الغاضبين موجودون؛ فمن الطبيعي أن يقلق كل من النظامين السوري والإيراني من هذا التقارب. لأنّه قد يأتي في سياق ترتيبات إقليمية ليست في صالحها. وكانت حركة الجهاد الإسلامي، الفلسطينية، ضمن غير المرحبين، وعلى خلاف "حماس" قال القيادي في حركة الجهاد، خالد البطش إن الاعتذار "وهمي ولفظي" بهدف فك العزلة عن إسرائيل.
تآزرت ردود الفعل المبتهجة بانتصار تركي على إسرائيل، مع مخاوف يونانية من تبعات الاعتذار، وانتقادات من قبل سياسيين إسرائيليين، منهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، إلى محاولة دوائر رئيس الوزراء الإسرائيلي التقليل من مغزى الحدث. بادعاء أنّ إسرائيل عرضت مثل هذه التسوية التي قبلها أردوغان سابقا، وأنّ الترتيبات الجديدة لا تتضمن فك الحصار عن غزة، وأنّ الذي تنازل هم الأتراك، واتصل نتنياهو مع نظيره اليوناني، أنطونيوس سامراس، ليطمئنه ويرتب لقاءً قريبا، إذ أنّ أثينا الخصم التاريخي لأنقرة تتساءل عن مغزى "المصالحة" على الاستثمارات الإسرائيلية مع قبرص اليونانية، في حقول الغاز البحرية، التي تتعارض مع الأتراك.
 في الواقع أنّ تقييم ما حصل بين تركيا والإسرائيليين، وهل يعد انتصارا ولمن؟ يعتمد على تعريف العلاقة والصراع. فإذا اعتبرنا الصراع "صفريّا" أي أنّ هناك رفض لأي مكسب إسرائيلي، أو أي تطبيع لوجودها مقابل أي ثمن، سيبدو الاعتذار مزعجا لأنّه قد يؤدي إلى ذلك.
أمّا إذا تغير تعريف الصراع، ليصبح صراعا فيه إمكانيات للتسوية، وللمد والجزر، والتفاوض، وتسجيل النقاط، فالاعتذار انتصار، لأنه يعني ببساطة أنّ  بإمكان أردوغان أن يتهم الصهيونية بما شاء، كأن يصفها بأنها جريمة ضد الإنسانية كما فعل مؤخرا، أو أن يصفها أنها دولة إرهاب كما فعل عام 2004، ورغم هذا يبقى رئيس الوزراء الإسرائيلي مضطرا للاعتذار!. ونتنياهو يعرف أنّ تركيا تدعم "حماس"، وقد يفتح باب الاعتذار الباب للمزيد من الدعم ولمطالب برفع الحصار. هذا فضلا عن أن قيام نتنياهو بإعادة دفع أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية، يعني انّ تحرك الفلسطينيين على الساحة الدولية أيضا لا يمكن ردعه كثيرا.
إذا لم يكن تعريف الصراع صفريّا، أي لم تعد المعركة معركة وجود، أو إذا تم التخلي عن التعريف الصفري مؤقتا، لصالح البحث عن تسوية ما، فإنّ إسرائيل خسرت نقاطا مهمة، ويمكن مواصلة الهجوم لتخسر أكثر، مع أنّها قد تحاول شن هجوم معاكس وتحقيق مكاسب سياسية دون تقديم شيء.

http://www.alghad.com/index.php/afkar_wamawaqef2/article/32402/%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B0%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7.html